محمد غازي عرابي

1004

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

اللّه قبل خلق الخلق ، ثم استودع العقل الصفة الرأس ، فبدأ عملها بتأثير نور العقل فيها ، وبدأ الإنسان يعي ، ويعي أنه يعي ، وهذا هو دور الاسم العاقل في الإنسان ، وهذا هو دور الوعي الحسي فيه ، فلا إنسان بلا دماغ يفكر ، وما الإنسان إلا شعور بنشاط هذا الدماغ المفكر والذي يفكر بنور اللّه . . . فإذا أتمت الصفة عملها ، وأنهى الإنسان الكامل دوره في فتق الصفات ، انكشف الحجاب ، فإذا العاقل الذي هو الإنسان معقول ، أي أنه حامل أمانة استودعها لنشر الصفة المطوية ، فإذا صار العاقل معقولا أدرك الإنسان لمن هو معقول ، وأن اللّه هو صاحب معادلة العقل والعاقل والمعقول ، فالعقل والعاقل والمعقول ثلاثية اللّه تتخلل الإنسان ، وتضاف إلى سباعية الصفات ، فإذا المجموع عشر هي الأعداد المثالية العشرة التي هي روح الوجود الفاعل ، وهكذا يكشف الغطاء عن الإنسان ، فإذا هو الأنا قد صار اللا أنا ، وإذا الأنا قد ردت إلى الأنا الخالصة ، بعد أن كانت أنا تجريبية ، أي لتجربة الصفات ، وعجم عيدانها ، ونشر طيب عرف العود . وصاحب الرؤيا الصالحة ، وهي جزء من النبوة كما جاء في الحديث ، هو الذي يسر ليكشف له الحجاب ، فهو الحاج الحقيقي ، وهو الذي حقق القصد من الحج ، كما قال عمر : الركب كثير والحاج قليل ، والمكاشف برفع الحجاب هو إمام الحج ، وهو الذي يقف على جبل عرفة ليخطب الحجاج شارحا المعرفة وأسرارها ، وعلم التوحيد العظيم . فليس في المسجد الحرام ، والمسجد الوجودي العياني سوى أناس حليقي الرؤوس ، مقصري أشعار النفس الحيوانية ، وهذا الكشف فتح أشير إليه بختام الآية ، ولأن معرفة اللّه نفسه مستحيلة كما تؤكد الصوفية والنبي القائل : لا تفكروا في ذات اللّه ، فلقد جعل سبحانه قبل تحقيق الرؤيا بدخول الحاج العارف حرم المعرفة الإلهية فتحا قريبا هو فتح الصفات ، فاللّه لا يعرف ذاتا ، ولكنه يعرف بصفاته ، والصفات لباس النفس تلبسها فتظهر أناسا هياكل ، ثم تتمر أي الصفات في صفحة القلب السليم ، فإذا اللّه حاضر في القلب بصفاته ، فعرفت صفاته ، وظلت هويته مجهولة الهوية ، أنشد الإمام علي بن الهبتي : إن رحت أطلبه لا ينقضي سفري * أو جئت أحضره أوحشت في الحضر فلا أراه ولا ينفك عن نظري * وفي ضميري ولا ألقاه في عمري فليتني غبت عن جسمي برؤيته * وعن فؤادي وعن سمعي وعن بصري وقال الشيخ جاكير : تراه شاخصا بالحق إلى الحق ، وتارة يشاهد الجلال ، وتارة يطالع الجمال ، وتارة يلوح له الكبرياء والعزة ، وتارة يبدو له الجبروت والعظمة ، وتارة يشهد اللطف والبهجة ، فهذا يبسطه ، وهذا يقبضه ، وهذا يطويه ، وهذا ينشره ، وهذا يفقده وهذا يوجده ،